عبد الله الأنصاري الهروي
498
منازل السائرين ( شرح التلمساني )
[ الدّرجة الثالثة استغراق الشّواهد في الجمع ] الدّرجة الثالثة : استغراق الشّواهد في الجمع ، وهذا رجل شملته أنوار الأوليّة ففتح عينه في مطالعة الأزليّة ، فتخلّص من الهمم الدنيّة . ( 1 ) استغراق الشّواهد في الجمع ، أي استغراق الأسماء والصّفات في شهود حضرة الذّات ، فإنّها هي حضرة الجمع ، والأسماء والصّفات وما يتبعها هي شواهد الجمع ، فإذا ظهر الجمع نفسه غابت الشّواهد فيه ، وهنا لك يفنى العبد بالكلّية ، ويعود التعرّف غيبا في الكنزيّة . قوله : وهذا رجل شملته أنوار الأوّليّة ، أي وصاحب هذه الدّرجة هو رجل شملته أنوار الأوّليّة ، ومعنى شملته ، أحاطت به ، وأنوار الأوّليّة هي حقائق الكنزيّة ، ومعنى الكنزيّة هو مفهوم قوله تعالى : كنت كنزا لم أعرف ، أي غيبا لا أدرك . قوله : ففتح عينيه في مطالعة الأزليّة ، أي نظر بالحقّ لا بنفسه ، فإدراك الأزل بالأزل تعالى ، ومعنى فتح في عينيه ، أي استمدّ من نور الحقّ تعالى ، وطالع الأزل ، فيخلص من الهمم الدنيّة ، أي يخلص من همم المخلوقين ، فإنّها دنيّة ، أي متعلّقة بالدّنايا ، وهي القبائح ، اكتفاء بالحقّ تعالى / التي قامت عنه بأوصافه ، فصارت أوصافه سيّئة ، وذلك هو ميراثه من محمّد صلّى اللّه عليه وسلم من سرّ الخلافة الإنسانيّة ، وهو التّحقيق بشهود ، فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ « 2 » ، إذ شهد ذلك عيانا من غير تقليد ، والهمم جمع همّة ، وقد تقدّم شرح الهمّة « 3 » ما هي ، وبالجملة فالهمّة هنا هي القصد .
--> ( 2 ) الآية 17 سورة الأنفال . ( 3 ) انظر ورقة 91 ( ب ) .